ابن الجوزي

33

القصاص والمذكرين

بدر ، في ساحة قصور الخليفة ، ومناظره مشرفة عليه ، وهذا الموضع المذكور ، وهو من حرم الخليفة ، وخصّ بالوصول إليه والتكلم فيه ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم ثم يفتح الباب للعامة فيدخلون إلى ذلك الموضع ، وقد بسط بالحصر ، وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس ، فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور ، وقعدنا إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم فصعد المنبر ، وأزاح طيلسانه عن رأسه تواضعا لحرمة المكان ، وقد تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة ، فابتدروا القراءة على الترتيب ، وشوقوا ماشاؤوا ، وأطربوا ما أرادوا ، وبدرت العيون بإرسال الدموع . فلما فرغوا من القراءة ، وقد أحصينا لهم تسع آيات منتظمات ، ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب . إلى أن أكملها وكانت الآية اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ « 1 » فتمادى على هذا السين « 2 » ، وحسّن أي تحسين ، فكان يومه في ذلك أعجب من أمسه ثم أخذ في الثناء على الخليفة ، والدعاء له ولوالدته وكنى عنها بالستر الأشرف والجناب الأرأف ، ثم سلك سبيله في الوعظ ، كل ذلك بديهة لا رويّة ، ويصل كلامه في ذلك بالآيات المقروءات على النسق مرة أخرى . فأرسلت وابلها العيون ، وأبدت النفوس سرّ شوقها المكنون ، وتطارح الناس عليه بذنوبهم معترفين « 3 » ، وبالتوبة معلنين ،

--> ( 1 ) سورة غافر : 61 . ( 2 ) أي استمرّ في الكلام المسجوع بحرف السين . ( 3 ) أقول : تلقي هذه الجملة ظلالا كئيبة في موضوع يتصل بما عند النصارى من الاعتراف أمام الكاهن بالذنوب ، والإسلام يأبى هذا ، ويأمر العاصي بأن يستر على نفسه ما دام أنّ اللّه ستر عليه ، وبأن يتوجه إلى الله بالتوبة . ولا يحتاج المرء إلى وسيط لله سبحانه وهو أقرب إلى عبده من حبل الوريد .